الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
229
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جعلتها على نفسها ، وعنه : مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ هنّ الجواري يسفّههن بذلك ، وعلى هذا التفسير درج جميع المفسرين . والمعنى عليه : أنّهن غير قوادر على الانتصار بالقول فبالأولى لا يقدرن على ما هو أشد من ذلك في الحرب ، أي فلا جدوى لاتّخاذهن أولادا . ويجوز عندي : أن يحمل الخصام على التقاتل والدّفاع باليد فإن الخصم يطلق على المحارب ، قال تعالى : هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [ الحج : 19 ] فسّر بأنهم نفر من المسلمين مع نفر من المشركين تقاتلوا يوم بدر . فمعنى غَيْرُ مُبِينٍ غير محقق النصر . قال بعض العرب وقد بشر بولادة بنت : « واللّه ما هي بنعم الولد بزّها بكاء ونصرها سرقة » . والمقصود من هذا فضح معتقدهم الباطل وأنهم لا يحسنون إعمال الفكر في معتقداتهم وإلا لكانوا حين جعلوا للّه بنوة أن لا يجعلوا له بنوة الإناث وهم يعدّون الإناث مكروهات مستضعفات . وتذكير ضمير وَهُوَ فِي الْخِصامِ مراعاة للفظ مَنْ الموصولة . و الْحِلْيَةِ : اسم لما يتحلّى به ، أي يتزين به ، قال تعالى : وتستخرجون مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [ النحل : 14 ] . وقرأ الجمهور ينشأ بفتح الياء وسكون النون . وقرأه حفص وحمزة والكسائي يُنَشَّؤُا بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين ومعناه : يعوده على النشأة في الحلية ويربّى . [ 19 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 19 ] وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ( 19 ) عطف على وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً [ الزخرف : 15 ] ، أعيد ذلك مع تقدم ما يغني عنه من قوله : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ [ الزخرف : 16 ] ليبنى عليه الإنكار عليهم بقوله : أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ استقراء لإبطال مقالهم إذ أبطل ابتداء بمخالفته لدليل العقل وبمخالفته لما يجب للّه من الكمال ، فكمل هنا إبطاله بأنه غير مستند لدليل الحس . وجملة الذين هم عند الرحمن صفة الملائكة . قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب عند بعين فنون ودال مفتوحة والعندية عندية تشريف ، أي الذين هم معدودون في حضرة القدس المقدسة بتقديس اللّه فهم يتلقون الأمر من اللّه بدون وساطة